العيني

258

عمدة القاري

بم تعرفون ربكم ؟ قالوا : بيننا وبينه علامة أن رأيناها عرفناه . قال : ما هي ؟ قال : يكشف عن ساق . قال : فيكشف عند ذلك عن ساق فيخر المؤمنون سجدا . قال : وما ينكر هذا اللفط ويفر منه إلاَّ من يفر عن اليد والقدم والوجه ونحوها . فعطل الصفات . وزعم ابن الجوزي : أن ذلك بمعنى كشف الشدائد عن المؤمنين فيسجدون شكرا . واستدل على ذلك بحديث أبي موسى مرفوعا . فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله ، وعن ابن مسعود : إذا كان يوم القيامة قام الناس لرب العالمين أربعين عاما فيه فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلى لهم ، وأوله بعضهم بأن الله يكشف لهم عن ساق لبعض المخلوفين من ملائكته وغيرهم ، ويجعل ذلك سببا لبيان ما شاء من حكمته في أهل الإيمان والنفاق . وعن أبي العباس النحوي أنه قال : الساق النفس . كما قال علي ، رضي الله تعالى عنه : والله لأقاتلن الخوارج ولو تلفت ساقي ، فيحتمل أن يكون المراد به تجلي ذاته لهم وكشف الحجب حتى إذا رأوه سجدوا له . وقرأها ابن عباس : يكشف ، بضم الياء وقرئ : نكشف ، بالنون ، ويكشف ، على البناء للفاعل وللمفعول جميعا ، والفعل للساعة أو للحال أي : يوم تشتد الحال أو الساعة . وقرئ : بالياء المضمومة وكسر الشين من أكشف إذا دخل في الكشف . قوله : ( فيسجد له ) ، أي : لله . فإن قلت : القيامة دار الجزاء لا دار العمل . قلت : هذا السجود لا يكون على سبيل التكليف بل على سبيل التلذذ به والتقرب إلى الله تعالى . قوله : ( ياء ) ، أي : ليراه الناس . قوله : ( وسمعه ) ، أي : ليسمعونه . قوله : ( طبقا واحدا ) ، أي : لا ينثني للسجود ولا ينحني له ، وهو بفتح الطاء . والباء الموحدة . قال الهروي : الطبق ففار الظهر أي : سار فقاره واحدا كالصحيفة فلا يقدر على السجود ، وجاء في حديث طويل فالمؤمنون يخرون سجدا على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه ، ويجعل الله تعالى أصلابهم كصيامي البقر ، وفي رواية : ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأن في ظهورهم السفافيد فيذهب بهم إلى النار ، وقال النووي : وقد استدل بعض العلماء بهذا مع قول الله تعالى : * ( ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) * ( القلم : 24 ) على جواز تكليف ما لا يطاق وهذا استدلال باطل . فإن الآخرة ليست دار تكليف بالسجود وإنما المراد امتحانهم . ( ( سُورَةُ الحَاقَّةِ ) ) أي : هذا في تفسير بعض سورة الحاقة وهي مكية في قول الجميع ، وقال السخاوي : نزلت قبل المعارج وبعد سورة الملك ، وهي ألف وأربعة وثمانون حرفا . ومائتان وست وخمسون كلمة ، واثنتان وخمسون آية . وفي مسند ابن عباس : عن معاذ إنما سميت الحاقة لأن فيها حقائق الأعمال من الثواب والعقاب . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ثبتت البسملة لأبي ذر وحده . حُسُوما مُتَتَابِعَةً أشار به إلى قوله تعالى : * ( سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ) * ( الحاقة : 7 ) وفسره بقوله : ( متتابعة ) ، وكذا فسره مجاهد وقتادة ومعنى متتابعة ليس فيها فترة وهو من حسم الكي وهو أن يتابع عليه بالمكواة وعن الكلبي : دائمة ، وعن الضحاك : كاملة لم تفتر عنهم حتى أفنتهم ، وعن الخليل : قطعا لدابرهم ، والحسم القطع والمنع ومنه حسم الدواء وحسم الرضاع وانتصابه على الحال والقطع قاله الثعلبي ، وهذا لم يثبت إلاَّ للنسفي وحده . وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ : * ( عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ) * ( الحاقة : 12 ) يُرِيدُ فِيهَا الرِّضا أي : قال سعيد بن جبير في قوله تعالى : * ( فهو في عيشة راضية ) * ( الحاقة : 12 ) يريد فيها الرضا أي : ذات الرضا أراد به أنه من باب ذي كذا كتامر ولابن ، وعند علماء البيان هذا استعارة بالكناية ، وهذا لم يثبت إلاَّ لأبي ذر والنسفي . القَاضِيَةَ المَوْتَةَ الأُوْلَى الَّتِي مُتُّها ثُمَّ أُحْيا بَعْدَها أشار به إلى قوله تعالى : * ( يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه ) * ( الحاقة : 72 ، 82 ) أي : ليت الموتة الأولى كانت القاطعة لأمري لن أحيا بعدها ولا يكون بعث ولا جزاء ، وقال قتادة : تمنى الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت . قوله : ( ثم أحيا ) ، بعدها : وفي رواية أبي ذر : لم أحي بعدها ، وهذه هي الأصح ، والظاهر أن الناسخ صحف لم بثم .